يرسم كرم نعمة في هذا المقال صورة سياسية حادة لشخصية بنيامين نتنياهو، إذ يقدّم قراءة ترى أن الحرب لم تعد مجرد خيار سياسي لديه، بل تحوّلت إلى هوية متكاملة تحدد مساره وسلوكه منذ بداياته. يستحضر الكاتب سخرية المؤرخ البريطاني ماكس هاستينجز من شهية الحروب، ليطرح سؤالًا معكوسًا: ماذا لو استيقظ نتنياهو يومًا ولم يجد حربًا يخوضها؟


ينشر هذا الطرح عبر منصة ميدل إيست مونيتور، حيث يسلّط الضوء على جذور هذه العقلية، ويربطها بمحطات تاريخية تعود إلى تسعينيات القرن الماضي، حين وقف نتنياهو في ساحة صهيون وسط شعارات تحريضية، بينما سعى إسحاق رابين آنذاك إلى اتفاق سلام تاريخي. يكشف هذا التناقض المبكر، وفق الكاتب، عن مسارين متضادين شكّلا مستقبل السياسة الإسرائيلية.


الحرب كهوية سياسية


يرى الكاتب أن نتنياهو لم يتغيّر منذ تلك اللحظة، بل عمّق نهجًا يقوم على توظيف الخوف والتحريض كأدوات سياسية فعالة. لا يقدّم نفسه فقط كقائد، بل كمنتج دائم للأزمات، حيث تتحول الحرب إلى وسيلة للبقاء السياسي، لا إلى خيار اضطراري.


يؤكد النص أن الرجل الذي حرّض ضد رابين هو ذاته الذي يطرح الحرب اليوم باعتبارها الطريق الوحيد للأمن. ومن هذا المنطلق، لا يبدو اندلاع صراع جديد قبل الانتخابات الإسرائيلية أمرًا مفاجئًا، بل احتمالًا منطقيًا ضمن هذا الإطار الفكري.


يدفع هذا التحليل إلى استنتاج أعمق: كلما اشتدت الأزمات الداخلية أو العزلة الدولية، زادت حاجة نتنياهو إلى التصعيد، لأن الحرب تمنحه مساحة لإعادة تشكيل المشهد السياسي وتوجيه الأنظار بعيدًا عن التحديات الداخلية.


إسرائيل بين القوة والوهم


يطرح المقال تساؤلًا أكثر خطورة حول مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة، ويتساءل عما إذا كانت إسرائيل قد تفقد دعمها يومًا ما، ما يجعل كل حرب تخوضها عبئًا مباشرًا على واشنطن. لا يقدّم الكاتب إجابة حاسمة، لكنه يشير إلى أن المسلمات القديمة لم تعد مقنعة حتى داخل المجتمع الإسرائيلي.


تكشف حرب غزة، بحسب الطرح، حدود القوة العسكرية، وتفضح وهم القدرة المطلقة على فرض الواقع بالقوة. ومع ذلك، يواصل نتنياهو تجاهل هذه الحدود، ويتبنى رؤية لإسرائيل كحصن عسكري دائم، أشبه بـ”إسبرطة جديدة” محاطة بالتهديدات.


في المقابل، يقدّم الكاتب تشبيهًا أكثر قتامة، إذ يرى أن إسرائيل تقترب من نموذج جنوب أفريقيا في حقبة الفصل العنصري، حيث تتجلى سياسات الإقصاء والسيطرة في صورة أكثر وضوحًا. يعزز هذا التصور الحديث عن مشروع يقوم على إفراغ الأرض وجعلها غير قابلة للحياة، عبر سياسات القتل والتدمير.


الخوف كوقود لا ينضب


ينقل المقال أصواتًا من داخل إسرائيل نفسها، حيث يحذّر الكاتب ديفيد جروسمان من أن البلاد تعيش كابوسًا حقيقيًا، ويتساءل عن الهوية التي ستخرج من تحت رماد هذه الحروب. كما يشير إلى رأي يوفال نوح هراري، الذي يرى أن التطرف قاد إسرائيل إلى نموذج “التعايش العنيف”.


ورغم اقتراب الانتخابات، لا يسود المزاج العام حالة مراجعة أو نقد، بل يهيمن الخوف، وهو العامل الذي يجيده نتنياهو ويستثمر فيه بمهارة. يصف الكاتب هذا الخوف بأنه طاقة سياسية لا تنفد، تغذي استمرار الصراع وتمنع التفكير في بدائل.


يعزز النص هذا المعنى بحكاية رمزية يرويها بوريس جونسون عن العثور على جهاز تنصت بعد زيارة نتنياهو، في إشارة إلى طبيعة الشخصية التي لا تخضع لقواعد السلوك التقليدي، بل تتحرك بمنطق القوة والشك.


في النهاية، يرفض الكاتب الطرح المثالي الذي يرى إمكانية التعايش السلمي بسهولة، ويعتبره ساذجًا أمام واقع سياسي يراه نتنياهو كساحة معركة دائمة. بالنسبة له، لا يشكّل السلام هدفًا، بل مجرد هدنة مؤقتة بين حربين.


هكذا يختتم المقال رؤيته القاتمة، حيث لا يقتصر النقد على شخص نتنياهو، بل يمتد إلى بنية سياسية كاملة تعيد إنتاج الصراع باستمرار، وتحوّل الحرب من حدث عابر إلى حالة دائمة تعرّف الهوية وتحدد المستقبل.

 

https://www.middleeastmonitor.com/20260426-warnetanyahus-perfect-definition-of-himself-so-who-will-define-him-by-peace/